جمال الدين بن نباتة المصري

254

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

بختيشوع : أنا لا أحسن الكلام ، ولكن إن شئت أن تجرب فكل ، فأكل فأصابه فالج عظيم ونقرس حتى دخل عليه بعض أصحابه ، فقال له : كيف حالك ؟ فقال اصطلحت علىّ الأعلال ، لو خرج شقىّ الأيمن « 1 » ما أحسست به من الفالج ، ولو مرت على شقى الأيسر « 2 » ذبابة أوجعتنى ، وأشدّ ما أشكو التسعون ! وحكى بعض أبناء البرامكة ، قال : تقلّدت السّند ، وحصل لي ما شاء اللّه ، ثم صرفت عنها ، وكنت قد اكتسبت « 3 » بها ثلاثين ألف دينار ، فصغتها عشرة آلاف إهليلجة ، وجاء الصّارف ، فركبت البحر ، وانحدرت إلى البصرة ، فخبّرت أن الجاحظ بها ، وأنه عليل بالفالج ، وأحببت أن أراه قبل وفاته ، فصرت إليه فقرعت الباب ، فخرجت إلىّ خادمة صغرى « 4 » ، فقلت : رجل غريب أحبّ أن أنظر إلى الشيخ ، فبلّغته ، فسمعته يقول : قولي له : ما تصنع بشقّ مائل ، ولعاب سائل ، ولون حائل ! فقلت للجارية : لا بدّ من النظر إليه ، فقال : هذا رجل ورد البصرة ، وسمع بي ، ويريد أن يقول : رأيت الجاحظ . فأذن لي ، فدخلت وسلّمت ، فرد ردّا جميلا ، وقال : من تكون - أعزك اللّه ؟ فانتسبت له ، فقال : رحم اللّه أسلافك وآباءك السّمحاء ! فلقد كانت أيّامهم رياض الدهر ، ولقد رأى بهم الخلق خيرا كثيرا ، فسقيا لهم ورعيا ! فدعوت له ، وقلت له : أنشدني شيئا ، فقال : لئن قدّمت قبلي رجال فطالما * مشيت على رسلي فكنت المقدّما ولكنّ هذا الدّهر تأتى صروفه * فتبرم منقوضا وتنقض مبرما ثم نهضت ، فلما قربت من الباب قال : يا فتى ، أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج ؟ قلت : لا ، قال : إنّ الإهليلج الذي معك ينفعني ، فابعث إلىّ منه

--> ( 1 ) ت : « الأيسر » . ( 2 ) ت : « الأيمن » . ( 3 ) ت : « كسبت » . ( 4 ) ت : « جارية صفراء » .